علم الدين السخاوي

572

جمال القرّاء وكمال الإقراء

من الأحرف السبعة التي أنزلها اللّه عزّ وجلّ : لا يوافق عليه ولا يسلّم له ، وما كان عثمان - رضي اللّه عنه - يستجيز ذلك ولا يستحل ما حرّم اللّه عزّ وجلّ من هجر كتابه وأبطاله وتركه « 1 » . وإنما قصد سد باب القالة « 2 » وأن يدعى مدع شيئا ليس مما أنزل اللّه ، فيجعله من كتاب اللّه عزّ وجلّ ، أو يرى أن تغيير لفظ القرآن « 3 » بغيره مما هو بمعناه لا بأس به ، فلما كتب هذه المصاحف وأمر بالقراءة بما فيها لم يمكن أحدا من أولئك أن يفعل ما كان يفعل ، والذي فعل ذلك مخطئ ، لأن عمر - رضي اللّه عنه - أنكر على هشام بن حكيم لفظا لم يسمعه عمر من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « 4 » وعمر - رضي اللّه عنه - يعلم أن ذلك جائز في العربية والدليل على أنه جائز في العربية أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « هكذا أنزلت » فلولا أن تغيير القرآن لا يجوز لما أنكر عمر - رضي اللّه عنه - ما أنكر ، فأراد عثمان - رضي اللّه عنه - أن يجمع القرآن كله بجميع وجوهه السبعة التي أنزل عليها ، سدا لباب الدعوى ، وردا لرأي من يرى تبديل حرف منه بغيره « 5 » .

--> ( 1 ) قال الطبري : ما ملخصه - « فإن قال بعض من ضعفت معرفته : وكيف جاز لهم ترك قراءة أقرأهم إياها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأمرهم بقراءتها ؟ قيل : إن أمره إياهم بذلك لم يكن أمر إيجاب وفرض ، وإنما كان أمر إباحة ورخصة ، لأن القراءة بها لو كانت فرضا عليهم لوجب أن يكون العلم بكل حرف من تلك الأحرف السبعة واجبا عند من يقوم بنقله الحجة ، وفي تركهم نقل ذلك كذلك أوضح الدليل على أنهم كانوا في القراءة بها مخيرين ، فإذا كان ذلك كذلك لم يكن القوم بتركهم نقل جميع القراءات السبع تاركين ما وجب عليهم نقله . . . » اه باختصار . انظر مقدمة جامع البيان ( 1 / 28 ) . وأقول : أن هناك فرقا بين القول بأن المصاحف العثمانية كانت مشتملة ومتضمنة للأحرف السبعة ، ولم يوجب علينا الشارع الإحاطة بجميعها ، وإنما هي للتيسير والتسهيل ، فكل يأخذ منها ما تيسر له فهذا كلام لا غبار عليه ، فرق بين هذا وبين كون عثمان - رضي اللّه عنه - إنما كتب المصاحف على حرف واحد وترك ما سواها خشية الفرقة والاختلاف ، فهذا هو الذي رفضه السخاوي ورد على الطبري القول به ، وقد أصاب رحمه اللّه في ذلك . والإمام الطبري لم يحالفه الصواب في رأيه هذا ، ولكل جواد كبوة واللّه أعلم . ( 2 ) جمع قائل ، فالقول في الخير والشر ، والقال والقيل في الشر ويقال : كثر القيل والقال ، فحكاية أقوال الناس والبحث عما لا يجدي عليه خيرا ولا يعنيه أمره ، من هذا القبيل ، والقالة : القول الفاحش في الناس اه اللسان ( 11 / 573 ) ( قول ) التقاطا . ( 3 ) في بقية النسخ : لفظ الكتاب العزيز . ( 4 ) وقد تقدم ذكر حديث عمر مع هشام بن حكيم أثناء الكلام على الأحرف السبعة . ( 5 ) وأيضا فإن كثيرا من الصحابة - رضوان اللّه عليهم - قد تلقوا بعض تلك القراءات وانطلقوا دعاة إلى